بعد أن مارس حزب الله صبراً استراتيجياً على مدى خمسة عشر شهرا ، تلقى خلالها مئات الضربات ، أسفرت عن استشهاد ما يزيد عن 500 عضو في حزب الله ومن حاضنته الاجتماعية ، واستباحة كافة القرى جنوب الليطاني بما في ذلك سرقة محتوياتها وحرقها وتدميرها. كل ذلك وسط صمت ما تسمى بلجنة الميكانيزم المعنية بمراقبة وقف إطلاق النار ومباركة المبعوث الأمريكي لكل من بيروت ودمشق توماس براك ، لاستمرار العدو في خرق وقف إطلاق النار التي تجاوزت عشرة آلاف خرقاً.
بعد هذا الصبر الاستراتيجي ، الذي أغرى قوى الانعزال المرتبطة بقوى إقليمية ودولية لأن تعلن أن حزب الله انتهى ، وأن تصريحاته برفض نزع سلاحه لا تعكس واقع هزيمته وعدم قدرته على الرد ، بعد هذا الصبر الاستراتيجي جاء الرد المجلجل لحزب الله بإطلاق الوجبات الصاروخية وأسراب المسيرات المقنبلة لتدك قواعد العدو العسكرية وكافة مستوطناته غداة بدء العدوان الصهيو أمريكي على إيران ، في الثامن والعشرين من شهر شباط – فبراير الماضي.
بعد الوجبة الأولى من الصواريخ (6 صواريخ) التي أطلقها حزب الله على المستعمرات المتاخمة لخط الهدنة مع جنوب لبنان ، واصل الحزب إطلاق الصواريخ والمسيرات الانتحارية على قواعد قوات الاحتلال وعلى رأسها قاعدة ميرون الاستراتيجية وعلى المستعمرات الإسرائيلية في الجليل الأعلى، وإصبع الجليل والجولان بكميات كبيرة. ثم تطورت لتصل صواريخ المقاومة الباليستية القواعد والمستعمرات الصهيونية في نهاريا وصفد وطبرية ، ثم تطورت لتضرب حيفا وجنوب حيفا وصولاً إلى تل أبيب ومنطقة غوش دان ( تل أبيب الكبرى) وأحياء القدس والمستوطنات في الضفة الغربية .
مفاجآت تكتيكية بنكهة استراتيجية
لقد حقق الحزب منذ بداية الحرب مفاجآت تكتيكية من العيار الثقيل بنكهة استراتيجية على نحو :
- أن الحزب كان صاحب الضربة الأولى منذ اليوم الأول للحرب مفوتاً الفرصة على العدو بأن يكون هو البادئ في الحرب، ومن ثم جعل العدو يقاتل في سياق دفاعي في بعض الأوقات.
2- أن ضربات حزب الله الصاروخية كشفت عن فشل الاستخبارات الإسرائيلية في تقدير قدرات حزب الله ، والتي دفعت نتنياهو للتبجح بأن الطيران الإسرائيلي قضى بشكل كامل على منظومة صواريخ حزب الله.
3- كشف الحزب عن قدرات رصد استخبارية ، مكنته من نصب كمينين لقوات مشاة وقوات خاصة إسرائيلية في منطقة النبي شيت، تم إنزالها من مجموعة طائرات هليوكوبتر القادمة عبر الحدود السورية، في منطقة الجرود اللبنانية.
4- اكتشاف العدو بأن ضرباته المتلاحقة لقرى الجنوب بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر الماضي ، لم تفرغ الجنوب من مقاتلي الحزب ، وأن فرق الحزب العسكرية من الرضوان وعزيز وغيرهما لا زالت على أهبة الاستعداد ، لمواصلة الحرب من النقطة التي انتهت إليها وأن المقاومة بدأت تزاوج بين القتال البري (ببعديه الكلاسيكي والعصابي) والقتال الصاروخي بشكل أذهل العدو ورفع منسوب الخسائر في صفوف قوات الاحتلال.
حرب العصابات
والميزة الهامة في القتال البري – التي شكلت مفاجأة للعدو - بأن مقاتلي الحزب تراجعوا عن تكتيك القتال على الحافة (حافة القرى) لمنع تقدم العدو الذي ألحق بالعدو خسائر كبيرة في العتاد والمعدات في المعارك السابقة قبل اتفاق وقف إطلاق النار، وألحق بالمقاومة أيضاً خسارة كبيرة لأن حرب المواقع (القتال على الحافة) مكن العدو من استخدام قوته النارية من الجو والبر والبحر بشكل كبير ضد قوات المقاومة .
إذ إن التكتيك المتبع من قبل المقاومة الإسلامية في هذه الحرب هو أسلوب الاستدراج ونصب الكمائن لقوات الاحتلال، وهذا التكتيك ألحق خسائر كبيرة في صفوف الاحتلال في بلدات الجنوب ( الخيام وعيترون ومركبا وحولى وعديسة ومارون الراس وغيرها) ما مكن المقاومة من تدمير عدة دبابات بصواريخ كورنيتن وصواريخ ماس المهندسة عكسياً، وإلحاق خسائر كبيرة في صفوف قوات الاحتلال على صعيد القتلى والجرحى لا يعترف العدو إلا بالنذر القليل منها.
صواريخ حزب الله تعانق الصواريخ الإيرانية
والمفاجأة الكبرى لحزب الله تمثلت في عدة عوامل لم يأخذها العدو بالحسبان، أبرزها :
- أن الحزب دك عمق الكيان الصهيوني بصواريخ نقطوية لأول مرة هامش الخطأ فيها صفريا أو أكثر من الصفر بقليل .
2- أن الحزب راكم على معركة أولي البأس الأولى التي استمرت (61) يوماً، باستهداف مصفاة حيفا ومصانع الأسلحة والذخيرة في تل أبيب وحيفا ونهاريا بصواريخ باليستية متطورة ، من حيث وزن الرأس الحربي ، ولم تكتف بالصواريخ التي استخدمتها في معركة أولي البأس الأولى كصواريخ (فادي1) و (فادي2) وغيرهما ، ناهيك عن توظيف المسيرات الهجومية باقتدار كبير .
أما المفاجأة من العيار اللوجستي الثقيل ، التي كشفت عن التنسيق عالي المستوى بين غرفة عمليات الحرس الثوري وغرفة عمليات حزب الله ، تمثلت في التزامن الدقيق بين الصواريخ الباليستية الإيرانية وصواريخ الحزب، في قصف ذات المناطق والأهداف في شمال ووسط فلسطين المحتلة ما خلق حالة إرباك للدفاعات الجوية الإسرائيلية، ومكن الصواريخ من إصابة أهدافها بدقة كبيرة.
التطور الأبرز في عمليات حزب الله
لم يكتف الحزب بضرب أهداف سبق وأن ضربها في معركة أولي البأس الأولى مثل مقر الاستخبارات الالكترونية 8200 ومقر وزارة الحرب الإسرائيلية في تل أبيب، وقواعد عسكرية في الشمال والوسط ، بل تعداه إلى توجيه ضربة قاصمة للكيان الصهيوني بإطلاق صواريخ نقطوية ، صوب محطّة الاتّصالات الفضائيّة التابعة لشعبة الاتّصالات والدفاع السيبيري في "جيش" الاحتلال الإسرائيليّ في وادي إيلا جنوب تل أبيب، على مسافة 160 كيلومتر عن خط الهدنة مع لبنان، وطالت محطة الرملة لقيادة الجبهة الداخلية على مسافة 125 كيلو متر من خط الهدنة.
وتوقف المراقبون العسكريون الإيرانيون وغيرهم ، أمام الصاروخ النقطوي الدقيق الذي ضرب محطة اتصالات الأقمار الصناعية ، التي تربط القواعد الجوية الإسرائيلية بالطائرات الحربية في الجو ، بتأكيدهم أن المقاومة الإسلامية بهذه الضربة الدقيقة دمرت القلب النابض لأنظمة الاتصالات الفضائية الإسرائيلية، وأن الصور الملتقطة تثبت أنه محطة الأقمار الاصطناعية "SES Satellite Station" أو ما يعرف بـ "Emek HaEla Teleport" (محطة وادي إيلا)، وهي محطة أقمار اصطناعية حيوية جداً تابعة لشركة "SES S.A" اللوكسمبورغية.
والمقاومة بهذه العملية وجهت ضربة قاتلة لأنظمة الاتصالات الصهيونية"، ستؤدي إلى موجة واسعة من الاضطرابات في هذه الأنظمة، وبذلك تمهّد الطريق لتنفيذ إجراءات أوسع ضدّ شبكات اتصالات الكيان".
المقاومة جاهزة في مواجهة الاجتياح الصهيوني المرتقب
ما يجب الإشارة إليه أن كل بيان من بيانات حزب الله ، يكشف عن انتصارات متراكمة لحزب الله في جبهة المقاومة البرية، وفي جبهة إطلاق الصواريخ والمسيرات المقنبلة، ما يعني أن حزب الله استعد لهذه المعركة جيداً بعد أن أغلق الثغرات الأمنية وبعد أن منح الحكومة (15) شهراً لممارسة الدبلوماسية لوقف العدوان المتواصل على لبنان ، وبعد أن كشف بؤس الحكومة اللبنانية التي استجابت للإملاءات الأمريكية بإصدارها القرار المشؤوم في الخامس من آب / أغسطس الماضي بنزع سلاح حزب الله ، ووصلت الأمور برئيس الحكومة أن يصدر أوامره للجيش ولأجهزة الأمن اللبنانية ، باعتقال رجال المقاومة الذين أطلقوا وجبة الصواريخ الأولى على المستعمرات الإسرائيلية ما دفع نائب رئيس المجلس السياسي للحزب " محمود القماطي" للقول : " بأن الحكومة اللبنانية باتت تتماهى مع حكومة فيشي الفرنسية التي خدمت النازيين إبان الحرب العالمية الثانية".
وها نحن اليوم نتوقف أمام البيان رقم 25 ، الذي يقدم خلاصة للقصف الصاروخي على قواعد ومستوطنات الكيان الصهيوني ، وخلاصة لعمليات المقاومة البطولية في مواجهة أربع فرق تستعد لدخول الجنوب ، وأبرز ما جاء في هذه الخلاصة استهداف موقع مشمار الكرمل للدفاع الصاروخي التابع لجيش الاحتلال جنوب حيفا ، واستهداف تجمعاً لآليات وجنود العدو في خراج بلدة العديسة بصلية صاروخية ، في حين تتواصل عمليات الاستدراج والكمائن في تخوم قرى النسق الأول من البلدات الحدودية مثل بلدات الخيام وعيترون والحمامص وتلة العباس وكفار كلا ومارون الراس وغيرها من القرى والبلدات اللبنانية.
بقي أن نشير إلى أن هذا الحشد من الفرق العسكرية الإسرائيلية لاجتياح جنوب الليطاني- وفق مصادر المقاومة - لا يؤرق المقاومة لعدة اعتبارات أبرزها :
- أن مقاتلي الحزب باتوا يعملون ضمن وحدات صغيرة، ويتجنبون استخدام أجهزة الاتصال التي قد تكون عرضة للتنصت الإسرائيلي"، كما يعتمدون نظام "التقنين" في استخدام الصواريخ الأساسية المضادة للدروع أثناء اشتباكهم مع القوات الإسرائيلية " في إشارة لاستعدادهم للحرب.
- أن الحزب – كما أسلفت- استفاد من الثغرات السابقة في معركة أل (61) يوماً (أولي البأس) وبات جاهزاً لشن حرب العصابات التي تمرس فيها ، من أجل تحييد ميزان القوى المختل لصالح العدو الصهيوني.
3- أن الحزب بات يمتلك مرونة في القيادة، وفي الهيكل التنظيمي والاعتماد على نظام قيادي بديل لتفادي التبعات الأمنية للخروقات التقنية التي شهدها عام 2024 ، ويتضمن تعيين أربعة نواب لكل قائد عسكري أو سياسي ، لضمان استمرار العمليات، إضافة إلى تجنب أي أجهزة قد تكون عرضة للتنصت، وذلك استعدادا لأيّ اجتياح إسرائيلي للجنوب اللبناني.
في ضوء ما تقدم ، فإن جنود وضباط وآليات هذه الفرق ، سيكونون صيداً سهلاً للمقاومة الإسلامية في إطار حرب العصابات، وفي الذاكرة القريبة أن خمس فرق غزت قطاع غزة على مدى عامين، ولم تتمكن من بسط سيطرتها على القطاع جراء المقاومة البطولية. وفي الذاكرة أيضاً الانسحاب المفاجيء لقوات الاحتلال عام 2000 جراء حرب العصابات التي قادها حزب الله باقتدار ضد قوات الاحتلال وضد جيش لحد العميل ..

